بروباغندا اصطناعية (Artificial Propaganda)

مقدمة

في الأشهر الماضية لاحظنا انتشارا كبيرًا لما يُسمى “روبوتات الذكاء الاصطناعي (AI Bots)” وقدرتها الهائلة على التصرُّف بطريقة بشرية على الانترنت من خلال إنشاء حسابات على منصّات التواصل الاجتماعي أو كتابة منشورات أو التفاعل مع منشورات أو حتى بناء علاقات مع روبوتات أُخرى أو – وهنا تكمن أكبر المخاوف – بناء علاقات مع بشر يعتقدون أنهم يتواصلون مع بشر مثلهم.

من هذا المنطلق يتم حاليًا طرح تساؤلات حول مستقبل هذه الروبوتات وتأثيرها على حياتنا وهل من الممكن أن تصبح نظريّة الانترنت الميت (Dead Internet Theory) حقيقة؟


ما هي روبوتات الذكاء الاصطناعي؟

بعد أن كانت الروبوتات عبارة عن أنظمة مؤتمتة تنشر محتوى مكرّر وبلغة سهلة الكشف, أصبحت الآن من خلال تعزيز قدراتها بالذكاء الاصطناعي أنظمة تأثير رقمية متطورة تستخدم نماذج لغويّة ضخمة (LLM), وتقوم بتوليد صور اصطناعية عالية الدقة, بالإضافة إلى استخدامها في تحليل سلوك الجماهير على الإنترنت بهدف استهدافهم.

بذلك أصبح بالإمكان توظيف هذه الروبوتات من قِبل المنظمات أو الحكومات في:

  • تضخيم الأخبار الكاذبة
  • نشر المحتوى الزائف بشكل سريع
  • التلاعب بالجمهور وتوجيهه حسب رغبتهم

نشر وتضخيم الأخبار الكاذبة

دور الروبوتات الاجتماعية

في بحث نُشر عام 2018, أي قبل أن تصبح الروبوتات بالذكاء التي هي عليه حاليًا, تم من خلاله توضيح كيف تساهم ما سمي “الروبوتات الاجتماعية (Social Bots)” في انتشار محتوى غير موثوق أو مضلل على منصات التواصل الاجتماعي، مثل تويتر. حيث قام الباحثون باستخدام بيانات ضخمة تضم أكثر من 14 مليون منشور على تويتر تشير إلى حوالي 400 ألف مقال من مصادر منخفضة المصداقية خلال عامي 2016 و2017.

أهم النتائج التي توصل إليها الباحثون هي:

  • الروبوتات الاجتماعية تلعب دورًا غير متناسب في نشر المحتوى غير الموثوق، بحيث تنشر وتروج لهذا المحتوى بشكل مبكر وبكثافة، مما يساعده على أن يصبح واسع الانتشار أو “فيروسي”.
  • تقوم هذه الروبوتات باستهداف المستخدمين ذوي المتابعين الكثيرين من خلال الإشارات والردود، في محاولة لزيادة انتشار المحتوى.
  • كل من الروبوتات والبشر يساهمون في نشر المعلومات، لكن البشر غالبًا يعيدون مشاركة المحتوى الذي تنشره الروبوتات دون تمييز، مما يوسّع نطاق تأثيرها.
  • الدراسة تقترح أن الحد من نشاط الروبوتات قد يكون أحد الطرق الفعّالة لتقليل انتشار المعلومات المضللة على الإنترنت.

الدعاية والتسويق

وفي بحث نُشر عام 2025 تم التركيز على كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي القائمة على نماذج اللغة في تعزيز حملات الدعاية المعلوماتية، خاصة تلك المدعومة من جهات حكومية.

السياق الأساسي

الباحثون درسوا موقعًا دعائيًا مرتبطًا بتدخل نفوذ أجنبي (مرتبط بروسيا) نشر محتوى مضلل عبر الإنترنت، وجاء اهتمامهم بـ تأثير اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي على هذا النوع من الدعاية.

النتائج الأساسية

  1. زيادة كمية المحتوى المضلل:
    بعد اعتماد موقع الدعاية لأدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص، تمكن من إنتاج عدد أكبر بكثير من المواد الدعائية المضللة مما كان عليه قبل استخدام هذه الأدوات.
  2. توسع نطاق المحتوى وموضوعاته:
    استخدام الذكاء الاصطناعي لم يؤد فقط إلى زيادة الكمية، بل أيضًا إلى توسيع نطاق الموضوعات التي تناولها الموقع، مما يعني إمكانية وصول الدعاية إلى جمهور أوسع بتنوع في الرسائل.
  3. الحفاظ على التأثير والإقناع:
    من خلال تجربة استقصائية (survey experiment) قارن الباحثون بين ردود فعل القراء على المقالات قبل وبعد استخدام الذكاء الاصطناعي، ووجدوا أن المقالات التي أنتجها الذكاء الاصطناعي كانت بنفس مستوى الإقناع لدى القراء مثل المقالات السابقة، بل حافظت على قدرتها على التأثير في آراء الناس.

الاستنتاج العام

تُظهر الدراسة أن أدوات الذكاء الاصطناعي القائمة على نماذج اللغة لا تستخدم فقط لإنتاج نصوص بسرعة وكفاءة أعلى، بل يمكن أن تُستخدم عمليًا في حملات دعاية مدعومة من دول بطريقة تزيد من حجم ونطاق المحتوى المضلل مع الحفاظ على قدرته على التأثير في الجمهور. هذا يسلط الضوء على التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على البيئة الإعلامية والمعلوماتية، لدرجة أن هذه الأدوات قد تغير “حجم ونطاق” الحملات الدعائية الاستراتيجية الحقيقية، وليس فقط تلك المفترضة في المختبرات أو السيناريوهات النظرية.


تهديد الديموقراطية

في مقال تم نشره سنة 2026 توصّل إلى أن انتشار “أسراب” من الروبوتات الذكية على منصات التواصل الاجتماعي يُشكّل تهديدًا جديدًا للديموقراطية.

الفكرة الأساسية

أصبح بإمكاننا تعريف الروبوتات الاجتماعية على أنها برامج ذكاء اصطناعي تنتج محتوى وتتفاعل مع المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي. الباحثون وجدوا شبكة من أكثر من ألف حساب آلي تنتج محتوى وتشارك في عمليات تضليل مثل خداع الخوارزميات حول عملة مشفرة مزيفة باسم fox8، مما سمح لها بتوسيع انتشارها ونفوذها.

التهديد الذي تطرحه أسراب الروبوتات:

  • التنسيق والتفاعل الواقعي: هذه الروبوتات تتواصل وتتناقش فيما بينها ومع البشر بطريقة تحاكي السلوك الطبيعي، مما يجعل الخوارزميات تعزز محتواها وتعرضه لعدد أكبر من المستخدمين.
  • تخصيص الرسائل: يمكن للأسراب أن تولد رسائل مفصّلة تستهدف اهتمامات مختلفة للأفراد (مثل الرياضة أو الأخبار)، وتغير نبرة وأسلوب الكتابة لتناسب كل جمهور.
  • تقويض النقاش العام والديمقراطية: حتى إن تم دحض ادعاءات فردية، فإن وجود عدد كبير من الأصوات التي تبدو مستقلة تجعل الأفكار المتطرفة أو المضللة تبدو مقبولة أو شائعة، مما يمكن أن يشوّه عملية اتخاذ القرار الديمقراطي ويقلل من الثقة في النقاش العام.
  • خلق “إجماع مزيف”: عندما تخترق الروبوتات مجموعة على الإنترنت، يمكنها أن تخلق انطباعًا واسعًا بوجود اتفاق آراء كبير حول قصة أو رأي معيّن، حتى ولو لم يكن ذلك حقيقيًا. هذا يستغل ظاهرة نفسية تُعرف بـ الدليل الاجتماعي: أي نميل إلى تصديق رأي ما إذا بدا أن “الجميع يوافق عليه”.

الاستنتاج العام

المقال يحذر من أن زيادة قوة وسهولة الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي – إلى جانب تخفيف إشراف المنصات – قد أوجد “أسراب ذكاء اصطناعي” قادرة على التأثير على الآراء العامة بشكل واسع، مما يهدد عملية الديمقراطية نفسها إذا لم يتم وضع أطر تنظيمية وتقنيات فاعلة لمواجهتها.


زيادة المحتوى السلبي والاستقطابي

في دراسة أُجريت عام 2018 تم من خلالها تحليل دور الروبوتات الاجتماعية (social bots) في تعزيز انتشار المحتوى السلبي والمثير للانفعال داخل الأنظمة الاجتماعية على الإنترنت، وذلك من خلال تحليل بيانات ضخمة من منصة تويتر خلال استفتاء استقلال كتالونيا في 1 أكتوبر 2017.

البيانات والمنهجية

  • جمع الباحثون نحو 4 ملايين منشور على تويتر من حوالي مليون مستخدم خلال فترة مناقشة الاستفتاء.
  • استخدموا تقنيات احترافية لتحديد الحسابات الآلية (الروبوتات) وتمييزها عن الحسابات التي يديرها البشر.

أهم النتائج

  1. الروبوتات تستهدف المستخدمين المؤثرين:
    الروبوتات تعمل غالبًا من مواقع هامشية داخل الشبكة الاجتماعية لكنها تستهدف الحسابات البشرية المؤثرة، سواء كانت من أنصار الاستقلال أو من المعارضة.
  2. زيادة التعرض للمحتوى السلبي والمثير للانفعال:
    الروبوتات كانت تنشر وتروج بشكل كبير لمحتوى يحمل طابعًا عنيفًا أو استفزازيًا، خاصة تجاه أنصار الاستقلال، مما زاد من تعرض هؤلاء للمحتوى السلبي.
  3. تفاقم الصراع الاجتماعي على الإنترنت:
    النتائج تدل على أن هذه الأنشطة الآلية لم تعزز فقط المعلومات السلبية، بل ساهمت في تعزيز الانقسام والصراع بين الجماعات على الشبكات الاجتماعية.
  4. أهمية التصدي لهذه التأثيرات:
    البحث يشدد على ضرورة تطوير وسائل أفضل لكشف ومنع التدخل الآلي الضار من الروبوتات في النقاشات الاجتماعية والسياسية عبر الإنترنت.

الاستنتاج العام

تُظهر الدراسة أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن يكون لها تأثير قوي في زيادة التعرض للمحتوى السلبي والمثير للانقسام على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال استهداف المستخدمين المؤثرين وتوجيه الرسائل المثيرة نحو مجموعات معينة، مما يعمّق الانقسامات والصراعات داخل المجتمع الرقمي.


مشاكل التمييز بين البشر والروبوتات

1) أنظمة كشف غير فعّالة

توضح الدراسات الحديثة أن أنظمة الكشف القائمة على السلوك أو اللغة أصبحت أقل فاعلية بسبب تطور الروبوتات.

الروبوتات الحديثة:

  • تحاكي أوقات النوم
  • تنشر بتفاوت زمني طبيعي
  • تستخدم أخطاء لغوية متعمّدة
  • تتفاعل مع المستخدمين

2) أخطاء في الكشف

من الممكن لأنظمة الكشف أن تصنّف مستخدمين نشطين سياسيًا على أنهم روبوتات.

هذا يخلق معضلة: إما حذف حسابات حقيقية أو السماح للروبوتات بالبقاء.

3) الحسابات الهجينة

عددًا من الحسابات عالية النشاط مسؤولة عن نسبة كبيرة من انتشار الأخبار الكاذبة، وكثير منها حسابات هجينة (إنسان + أتمتة).

4) صعوبة التمييز اللغوي

أصبح البشر غير قادرون على التمييز بين النصوص المولدة آليًا والنصوص البشرية.

هذا يعني أن الاعتماد على تحليل النص فقط لم يعد كافيًا.


العوامل التي تزيد صعوبة الكشف

  1. تقارب السلوك الرقمي بين البشر والروبوتات
  2. استخدام صور شخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي
  3. الروبوتات متعددة المنصات
  4. استخدام التعلم الخصومي (Adversarial Learning) لتجاوز أنظمة الكشف
  5. انخفاض تكلفة إنشاء آلاف الحسابات

المستقبل ونظرية الانترنت الميت

يبدو أنه, ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة, ستصبح روبوتات الذكاء الاصطناعي قادرة على إدارة حسابات كاملة لسنوات، وبناء تاريخ رقمي متماسك، وإجراء حوارات طويلة ومعقدة، بل وحتى التكيف نفسيًا مع الجمهور المستهدف. بعض الدراسات الحديثة في مجال “عمليات التأثير المؤتمتة (Automated Influence Operations)” تشير إلى أن الأنظمة القادمة قد تستخدم وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون بشكل شبه مستقل ضمن شبكات منسقة، ما يقلل الحاجة للتدخل البشري المباشر.

أما بالنسبة إلى نظرية الإنترنت الميت (Dead Internet Theory) التي تفترض أن نسبة كبيرة من المحتوى والتفاعل على الإنترنت أصبح يتم إنتاجه بواسطة روبوتات وليس بشرًا, فهي حتى الآن تظل فرضية غير مثبتة علميًا بشكل كامل. الأبحاث تشير إلى أن الروبوتات تشكّل نسبة مؤثرة في بعض المنصات، لكنها لا تدعم فكرة أن “معظم” الإنترنت بات آليًا بالكامل. ومع ذلك، إذا استمر تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، وانخفضت تكاليف إنشاء شبكات روبوتية واقعية، وتباطأت آليات التحقق من الهوية الرقمية، فقد نشهد مستقبلًا تصبح فيه نسبة المحتوى الاصطناعي مرتفعة جدًا لدرجة تجعل التفاعل الإنساني الحقيقي أقل وضوحًا إحصائيًا

أعتقد أن الخطر الحقيقي ليس في اختفاء البشر من الانترنت، بل في تآكل الثقة. فعندما يصبح من المستحيل تقريبًا معرفة ما إذا كان من تتفاعل معه إنسانًا أم نظامًا ذكياً، سيؤدي ذلك إلى تضرّر مصداقية الفضاء الرقمي ككل. لذلك يتوقع أن يكون مستقبل الإنترنت مرتبطًا بتقنيات التوثيق الرقمي، والهوية المشفرة، وأنظمة كشف تعتمد على تحليل الشبكات بدل النصوص فقط، في سباق مستمر بين التوليد والكشف.


الخاتمة

ما يثير اهتمامي حينما يتعلّق الأمر بالذكاء الاصطناعي والتطور الذي يشهده من جميع النواحي، هو أن مجرّد التفكير في التساؤلات التي نطرحها اليوم كان يُعدّ ضربًا من الخيال قبل بضع سنوات فقط. بالطبع، كانت هناك بعض التخمينات المبنية على عجلة التطور المتسارعة التي ما زلنا نشهدها منذ الثورة الصناعية في بداية القرن التاسع عشر، لكنني أرى أننا لم نكن مستعدّين لطرح مثل هذه التساؤلات بجدّية في وقت قصير نسبيًا.

لذلك، فإن أي سؤال أو فكرة قد تخطر في بالك حول مستقبل الذكاء الاصطناعي أو مستقبلنا بشكل عام — مهما بدت لك مجنونة أو مستحيلة — من الوارد جدًا أن تُطرح بجدّية في السنوات، أو حتى الشهور القادمة. لهذا لا تقم بتجاهلها؛ فقد تحتاجها قريبًا.

اكتشاف المزيد من Morhaf Sec

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة